حسن الأمين
20
مستدركات أعيان الشيعة
الحياة ونعيمها . وكتبها في السبعين بعد ان أنضجته الأيام بتجاربها ، ومصائبها وكشفت له عن أشواقه الكامنة ، وجراحه التي لم تندمل قط ، وطالت صحبته لنفسه حتى عرفها على حقيقتها ، وأزال عنها حجب الوهم وأستار المداراة . وأخيرا كتبها في شيخوخته ، بعد ان قطع مراحل الحياة الدنيا ، وأشرف على العالم الآخر ، وانصرفت نفسه إلى التأمل الحزين الطويل في مصير الإنسان . في ذاك الجو القاتم ظهرت « رسالة الغفران » ، وفي تلك الحالة النفسية الأليمة ، أملى « أبو العلاء » رسالته ، وانها لحالة تفسر لنا ما في « الغفران » من أشواق مستثارة إلى الرغبات المادية ، وعرض متفنن لنعم الدنيا منقولة إلى العالم الآخر . وتفسر لنا كيف جمع أبو العلاء ، الأدباء والشعراء في جنته ، وهو المعتزل المنفرد ، وكيف حشد فيها ملذات الدنيا من نساء ، وطعام وشراب ، وهو الذي كفر بالخمر ، وتجنب النساء ، وحرم نفسه طيبات الطعام والشراب . وتفسر لنا كيف ملأ جنته حركة وانفعالا ، من صيد ونزهة ورقص ومادب ومجالس وطرب وخمر ، وهو الذي حكم على نفسه بالحبس في منزله بمعرة النعمان نحو نصف قرن من الزمان مقيدا سجينا . لذا أطال الحديث عن الحياة الآخرة ، وتفنن في تصويرها لغير ضرورة ظاهرة ، واستمر حلمه الطويل حتى شغله عن الرد على ما جاء في رسالة « ابن القارح » ولم يشرع به إلا بعد أن أتم رحلته وفرغ من رسم صورة الحياة الأخرى . انعكاسات البواعث على رسالة المعري جاءت رسالة الغفران آية من آيات المعري . وكان سر عظمتها دلالتها الأمينة على نفس صاحبها وعلى الحياة من حوله . فلو لم نعرف صورة صاحبها لرسمت لنا صورة بينة السمات ، ولدلتنا على شخصيته ، وعرفنا انه : أديب يائس معتزل محروم . ولو لم نعرف الزمن الذي أملي فيه « الغفران » لحددت لنا الرسالة ذلك الزمن ، إذ ان فهم الحياة فهما ناموسيا ، يجعلنا نطمئن إلى أن « التفات » أبي العلاء إلى العالم الآخر لا يكون إلا مع يأسه من هذه الدنيا ، لأنه ما كان ليسرح إلى الأخرى هائما حالما وهو في غمار الحياة والمجتمع قبل عزلته . وربما كانت هذه البواعث كافية لأن يخترق أبو العلاء خط السير في الممالك الإلهية ، فيبدأ من حيث يحلم ، وتكون الجنة العالم الأول الذي يطالعنا به ، وكان أبواب المرور من الأرض السفلى مفتوحة وعلى مصراعيها على أبواب الجنة . بواعث كوميديا دانتي لكن دانتي لم يخترق حيث اخترق أبو العلاء ، ولم يبدل وجهات السير ، ولم يغير مقاييس العالم الآخر ، بل بدأ كتابته للكوميديا من حيث تبدأ الأديان ، وانتهى إلى حيث تنتهي ، وكان تقسيم الكوميديا تقسيما كلاسيكيا دينيا مسيحيا . كيف لا ، وقد كان دانتي الإنسان المسيحي المؤمن ، المشبع بقراءة التوراة والإنجيل والكتاب المقدس بخاصة . غير أن هذا التقسيم يبقى السبب الظاهر ، في كتابة الكوميديا بحيث تطالعنا أسباب أعمق وأبعد في تصور الشاعر ، وفي تاريخ حياته : الذاتية ، والسياسية ، والوطنية . . . ربما كانت هي الباعث الأصدق والأهم في كتابتها . وقد نورد هذه البواعث والأسباب ولكن بايجاز ، وذلك بسبب أهميتها في خلق جو الكوميديا الإلهية العام ، وفي جو من الينابيع ، والمناهل التي استقى منها دانتي رائعته . 1 - ونبدأ أولا بحياة الشاعر الذاتية الكل يعلم أن دانتي شرد وجرد من كل شيء : الأسرة ، والأصدقاء ، والمال ، والوطن ، فاشتد عليه المد وأتعبه . وربما أفاد كثيرا من حياته الشبيهة بالبوهيمية على فارق واحد أو أكثر ، وهو أن البوهيمي قرير العين مرتاح إلى حياته لأنه ليس له أهداف ، وليست به طموح . ومن فوائد منفاه انه تنقل بين كثير من المقاطعات ، فشاهد المدن ، والقرى ، والجبال ، والأودية ، والخمائل ، والأرض القاحلة . وكلها مناظر خلابة - من الأرض الإيطالية - مما عزاه بعض الشيء عما كان يلاقيه من الحرمان ، وقد ذكر أكثر تلك الأمكنة في الكوميديا ، وأدخلها في طوبوغرافية العالم الآخر ، وجعلها قسما من جغرافيته . 2 - المؤثرات الوطنية وانعكاسها في نفس دانتي كان النفي كان ضروريا لدانتي ، لأنه ضاعف فيه حبه لأرض وطنه الذي تحده جبال الألب من الشمال ، والبحار من جميع الأطراف . وحمل دانتي بين حناياه فكرة الوطن الواحد الموحد إيطالية الكبرى . وقد كانت حتى الساعة - أي زمنه - نهبا مقسما بين عدة دويلات أجنبية ووطنية ، وملكية وجمهورية ، واقطاعية وبابوية ، وأشباه ذلك . وملك هذا الاحساس على دانتي جميع مشاعره ومنافد الفكر منه ، فكرة الوطن الموحد . فلم يقتصر على رسم حدود وطنه المقدسة على حد قوله ، بل كانت ذاكرته تزخر بامجاد روما وعظمتها ، فحلم بمملكة عالمية تضم بتناغم مثالي الأمراء جميعهم ، والممالك كلها ، وتسوسهم قوانين حكيمة عادلة ، وتعمل في هذه المملكة العالمية الشاملة جنبا لجنب السلطة البابوية وهي الروحية والسلطة الإمبراطورية وهي السلطة الزمنية . وأناط دانتي بهذه المملكة إنقاذ الإنسانية التائهة في أدغال الشك ، والتي تنهشها الفوضى والبلبلة . وما ذلك اليوم ببعيد عن روما مركز السلطتين الروحية والزمنية ، وعن إيطاليا كلها ، جنة الإمبراطورية ، ومهد الحضارة اللاتينية الكبرى . وكي يعد دانتي النفوس إلى تقبل هذه النبوءة الكبرى والأمنية الغالية نشر بين الناس طرفته المسماة « الكوميديا الإلهية » حيث اتصل الزمن بالأبدية ، وانعكس وجها الفضيلة والرذيلة على صفحة مرآة . 3 - ثقافة دانتي وانعكاسها في الكوميديا لقد وصف لنا دانتي في بعض صفحات من كتابه « الوليمة » الصراع الداخلي الذي كان يعتمل في نفسه عندما اجتاز مرحلة النظم في الغزل ، والنسيب والتشبيب بالحسان ، إلى دراسة الفلسفة . فأكب على دراسة بوزيو وشيشرون ، مما أجج فيه حب المعرفة ، ودفعه ذلك إلى أن يقود خطاه نحو مدارس رجال الدين وتتبع جدال أهل العلم والفلسفة . فتردد على احدى الحلقات للأباء الدومينيكيين في دير القديسة ماريا نوفلله ، وبات من المؤكد أنه تابع الدراسات للآباء الفرنسيسكان في سنت كروتشه ، ودرس أرسطو الذي بدأت مؤلفاته تروج وتنتشر . أما توما الاكويني وبونا فنتورا فقد كانا منهله الفياض العذب . وعكف دانتي على دراسة القانون ، والطب ، والموسيقى ، والتصوير ، والنحت ، والفلسفة ،